أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

279

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أو أكمل حالا لأنّ اللّه جعل لهم ملكا ما ، قال : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ « 1 » خلاف مشهور بين العلماء من الفقهاء واللغويين . قوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً هذه الجملة عطف على قوله « لا تعبدون » في المعنى ، كأنه قال : لا تعبدوا إلا اللّه وأحسنوا بالوالدين وقولوا ، أو على « أحسنوا » المقدّر كما تقدّم تقريره في قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولا لقول محذوف تقديره : « وقلنا لهم قولوا وقرئ : حسنا بفتحتين « 2 » وحسنا بضمتين ، وحسنى من غير تنوين كحبلى ، وإحسانا من الرباعي » . فأمّا قراءة « حسنا » بالضم والإسكان فيحتمل أوجها ، أحدها وهو الظاهر : أنه مصدر وقع صفة لمحذوف تقديره : وقولوا للناس قولا حسنا أي : ذا حسن . الثاني : أن يكون وصف به مبالغة كأنه جعل القول نفسه حسنا . الثالث : أنه صفة على وزن فعل وليس أصله المصدر ، بل هو كالحلو والمرّ ، فيكون بمعنى « حسن » بفتحتين ، فيكون فيه لغتان : حسن وحسن كالبخل والبخل ، والحزن والحزن ، والعرب والعرب . الرابع : أنه منصوب على المصدر من المعنى ، فإنّ المعنى : وليحسن قولكم حسنا . وأمّا قراءة « حسنا » بفتحتين - وهي قراءة حمزة والكسائي - فصفة لمحذوف ، تقديره : قولا حسنا كما تقدّم في أحد أوجه « حسنا » . وأمّا « حسنا » بضمّتين فضمة السين للاتباع للحاء فهو بمعنى « حسنا » بالسكون وفيه الأوجه المتقدمة . وأمّا من قرأ « حسنى » بغير تنوين ، فحسنى مصدر كالبشرى والرّجعى . وقال النحاس في هذه القراءة : « ولا يجوز هذا في العربية ، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام نحو : الكبرى والفضلى » ، هذا قول سيبويه ، وتابعه ابن عطية على هذا ، فإنه قال : « وردّه سيبويه لأن أفعل وفعلى لا يجيء إلا معرفة ، إلا أن يزال عنها معنى التفضيل ، ويبقى مصدرا كالعقبى فذلك جائز وهو وجه القراءة بها » . انتهى وقد ناقشه الشيخ « 3 » ، وقال : « في كلامه ارتباك لأنه قال : لأنّ أفعل وفعلى لا يجيء إلا معرفة ، وهذا ليس بصحيح . أمّا « أفعل » فله ثلاثة استعمالات : أحدها : أن يكون معه « من » ظاهرة أو مقدرة ، أو مضافا إلى نكرة ، ولا يتعرّف في هذين بحال . الثاني : أن يدخل عليه أل فيتعرف بها . الثالث : أن يضاف إلى معرفة فيتعرّف على الصحيح . وأمّا « فعلى » فلها استعمالان ، أحدهما بالألف واللام ، والثاني : الإضافة لمعرفة وفيها الخلاف السابق . وقوله « إلا أن يزال عنها معنى التفضيل ويبقى مصدرا » ظاهر هذا أنّ فعلى أنثى أفعل إذا زال عنها معنى التفضيل تبقى مصدرا وليس كذلك ، بل إذا زال عن فعلى أنثى أفعل معنى التفضيل صارت بمنزلة الصفة التي لا تفضيل فيها ، ألا ترى إلى تأويلهم كبرى بمعنى كبيرة ، وصغرى بمعنى صغيرة ، وأيضا

--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 79 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 284 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 285 ) .